
The Scribe of Tomorrow
حين يسافر العلم ثلاثة آلاف عام إلى الوراء لإنقاذ فجر التاريخ
by Ibrahim Shahin
في أروقة البلاط الفرعوني، لا شيء يمر دون ثمن. عندما يصل المؤرخ وفيزيائي الزمن طارق الشناوي من القرن الثالث والعشرين إلى مصر القديمة، لم تكن غايته سوى إصلاح صدع زمني يهدد بمحو التاريخ. متخفياً في هيئة كاتب ملكي في دار الحياة، يعتمد طارق على ريشته وعقله لإخفاء هويته الحقيقية وجهازه الزمني المتطور. لكن جريمة قتل غامضة لكبير علماء الفلك بالقصر تقلب كل الموازين. يجد طارق نفسه في مرمى شكوك قائد الحرس الصارم، ومطمعاً لكبير الكهنة الطامح للسطوة المطلقة وسرقة أسرار الزمن لتحويلها إلى سلاح خارق. بين مؤامرات المعبد المظلمة ومحاولات الحفاظ على مسار التاريخ دون تغيير، يخوض طارق سباقاً محموماً مع الوقت لكشف القاتل قبل أن تنهار حضارة بأكملها. رواية خيال علمي وتاريخ تجمع بين أسرار الفراعنة وإثارة التحقيق الجنائي في رحلة مذهلة عبر الزمن.
- Science Fiction
- Young Adult
- Historical Fiction
- Crime Fiction
- Time Travel
سقوط من سماء الغد
انفجر الهواء برائحة الأوزون والطين الرطب حين ارتطمت الكبسولة بسطح الأرض. فتح طارق الشناوي عينيه وسط سحابة من الدخان الكثيف، وشعر بلسعات الحرارة تسري في أطرافه. انطلقت صفارات الإنذار من لوحة التحكم قبل أن تنطفئ الشاشات الرقمية فجأة. التفت نحو المحرك الخلفي، فرأى الدوائر الكمومية قد تفحمت بالكامل، وانشطر الغلاف الخارجي للمركبة إلى نصفين. أدرك طارق ببرود علمي قاطع أن رحلة العودة إلى القرن الثالث والعشرين أصبحت مستحيلة حتى يعيد بناء نظام الدفع من الصفر.
سحب طارق حقيبة الطوارئ بسرعة، ودفن حطام الكبسولة تحت رمال الشاطئ وبين سيقان البردي الكثيفة على ضفاف النيل. خلع بدلته المصنوعة من الألياف الاصطناعية، وارتدى رداء الكتان الخشن ونقبة الكَتّة ليماثل هيئة الكتبة والمسؤولين الإداريين. علّق جهازه الرقمي المضغوط حول عنقه؛ كان الجهاز يبدو في الظاهر كتميمة ذهبية منقوشة بعناية، لكنه في الحقيقة يحمل سجلاً علمياً هائلاً ومجسات لرصد التصدع الزمني. مسح طارق قطرات العرق عن جبينه، وحدد وجهته نحو أسوار طيبة العالية التي ظهرت ملامحها تحت أشعة شمس الصباح الساطعة.
اجتاز البوابات الحجرية للقصر الملكي بعد أن ادعى أنه كاتب حسابات وفد حديثاً من الأقاليم الشمالية لتوثيق مخازن الغلال. كانت الطرقات تعج بالجنود والخدم والكهنة، والجميع يتحرك في حركة دؤوبة. اتجه مباشرة نحو "دار الحياة"، المركز الفكري ومكتبة القصر الكبرى، حيث تُحفظ البرديات وسجلات الدولة. كان الهواء داخل القاعة الواسعة مشبعاً برائحة الحبر الأسود وأوراق البردي المجففة، وأعمدة الحجر الضخمة تلقي بظلال طويلة وباردة على المقاعد الخشبية.
استقبله شاب نحيل يرتدي نقبة كتانية بسيطة لطختها بقع الحبر الداكن، وكان يحمل حقيبة جلدية ملأى بأقلام القصب واللفائف. ابتسم الشاب بود وقال: "أهلاً بك في دار الحياة. اسمي محمد حسن، وأنا ناسخ مبتدئ هنا. قيل لي إن كاتباً جديداً من الدلتا سينضم إلينا لفرز خرائط السماء وسجلات الضرائب."
أومأ طارق برأسه محافظاً على هدوء صوته: "يسعدني لقاؤك يا محمد. أنا طارق. آمل أن أكون عوناً لكم في ضبط الحسابات وتصحيح القياسات الفلكية المعلقة."
قاده محمد إلى طاولة من خشب الجميز، ووضع أمامه لوحاً خشبياً ولفافة غير مكتملة تضم جداول لمدارات النجوم وحسابات فيضان النيل. أمسك طارق بقلم القصب، وبدأ يراجع الأرقام والنسب الهندسية المكتوبة. لم يستطع كبح دقته الرياضية؛ فخط قلمه رموزاً دقيقة وصحح خطأً تراكمياً في زاوية ميلان نجم الشعرى اليمانية خلال ثوانٍ معدودة، ثم رسم مساراً بيانياً يوضح دورة حركة الكواكب بتناسق هندسي لم تعهده نصوص العصر.
تراجع محمد خطوة إلى الوراء، واتسعت عيناه البنيتان بدهشة واضحة وهو يحدق في اللفافة. همس بصوت متهدج: "كيف فعلت هذا؟ هذه الحسابات استعصت على كبار حكماء المعبد لثلاثة مواسم كاملة. خطوطك... إنها تبدو وكأنها مرسومة بيد أوزوريس نفسه، وليست مجرد تقديرات بشرية."
تنبه طارق لاندفاعه، وحاول تدارك الموقف بنبرة هادئة: "إنها مجرد طرق قديمة في الحساب نقلها لي معلمي في الشمال. الرياضيات لغة ثابتة لا تتغير إن أحسنت قراءة معطياتها."
رمقه محمد بنظرة حائرة جمعت بين الإعجاب العميق والريبة: "لا يوجد معلم في الدلتا يملك هذه المعرفة يا طارق. أنت ترى السماء كأنك تسكن بين نجومها."
وقبل أن يسترسل محمد في أسئلته، شق صراخ مذعور سكون الأروقة الخلفية لدار الحياة. ارتجفت جدران المعبد مع وقع أقدام ثقيلة ومضطربة، واندفع اثنان من النساخ نحو القاعة الرئيسية بوجوه شاحبة كالموتى. صرخ أحدهما: "كبير الفلكيين! لقد قُتل الحكيم في مقصورته الخاصة!"
سادت الفوضى في المكان، وتناثرت لفائف البردي على الأرضيات الحجرية. لم تمضِ دقائق حتى دوى صليل الدروع النحاسية في المدخل، واقتحمت فرقة من الحرس الملكي القاعة يقودها رجل فارع الطول ذو بنية عضلية قوية وبشرة لوحتها شمس الصحراء. كان يحمل ندبة قديمة على ذراعه اليسرى ويده تقبض بحزم على مقبض سيف الخوبيش المقوس.
صاح القائد بصوت صارم هز أرجاء الدار: "أنا القائد عمر الخطيب. أغلِقوا جميع المنافذ فوراً! لا يغادر أحد هذا المكان حياً أو ميتاً حتى ننتهي من التحقيق."
انتشر الجنود بسرعة وأحكموا السيطرة على الأبواب. تقدم عمر نحو القاعة الداخلية حيث تقع مقصورة الفلكي، وتبعه طارق ومحمد بحذر بين الجموع المتراصة. كانت الجثة ملقاة على الأرض الحجرية بجوار طاولة الرصد الفلكي، وعلامات الخنق واضحة على العنق، بينما خلت الصناديق الخشبية من أندر المخطوطات التي كان يعمل عليها الحكيم الراحل.
سمع طارق أحد الحراس يهمس للقائد عمر: "المقصورة كانت مقفلة من الداخل بسلسلة برونزية، والمخطوطة الأخيرة التي دوّنها الليلة الماضية اختفت بالكامل."
شعر طارق ببرودة تسري في ظهره حين دقق النظر في أجهزة الرصد البدائية المتناثرة قرب النافذة العلوية. أدرك الحقيقة المفزعة في لحظة واحدة: تلك المخطوطة المسروقة لم تكن مجرد حسابات عادية، بل تضمنت رصداً دقيقاً لانفجار التردد الضوئي والوميض الكهرومغناطيسي الذي أحدثته كبسولته الزمنية أثناء هبوطها الاضطراري فجراً، واعتبرها الفلكي ظاهرة سماوية مقدسة وخارقة للعادة. لقد قُتل الرجل بسبب رؤيته لحدث وصوله من المستقبل.
استدار القائد عمر ببطء، وجالت عيناه الصقريتان في وجوه الحاضرين. توقفت نظراته الثاقبة عند طارق الشناوي، متفحصاً ثيابه النظيفة وهيئته التي بدت غريبة رغم ارتدائه الكتان المحلي. خطا عمر خطوات بطيئة وثابتة باتجاه طارق حتى وقف أمامه مباشرة، وانعكس ضوء المشاعل على درعه النحاسي.
قال عمر بنبرة قاطعة: "أعرف جميع نساخ دار الحياة وحراسها فرداً فرداً. وجهك جديد على طيبة، وعيناك لا تملكان خوف الأبرياء. من أنت؟ وما الذي أتى بك إلى ديوان السجلات في هذا التوقيت تحديداً؟"
ثبت طارق قدميه على الأرض وحافظ على رباطة جأشه، محاولاً إخفاء التوتر الذي يهدد بكشف كل شيء. رد بصوت متزن وبليغ: "أنا طارق، كاتب من الأقاليم الشمالية، وصلت صباح اليوم بأمر تكليف لتدقيق الحسابات والجداول الفلكية."
ضيق عمر عينيه وشبك ذراعيه فوق صدره، ولم تنطلِ عليه الكلمات المنمقة بسهولة. قال بحدة: "لهجتك غريبة، وصوتك يحمل نبرة لم أسمعها في مدن الدلتا ولا في حاميات الجنوب. وحتى ثيابك الكتانية... نسجها لا يشبه بضائع تجار النيل. كيف تفسر وجودك في محيط دار الحياة وقت وقوع الجريمة؟"
تدخل محمد حسن متحدثاً بلهفة للدفاع عن رفيقه الجديد: "سيدي القائد عمر، الرجل كان معي طوال الصباح عند طاولة التدوين، وقد أصلح للتو حسابات معقدة في حركة النجوم لم يقدر عليها أحد من قبل."
التفت عمر نحو اللفافة المفتوحة على الطاولة، ثم عاد بنظره إلى طارق، وازدادت الشكوك في نبرته: "إذن أنت خبير بالسماء وحركتها أيضاً؟ هذا يجعل حضورك هنا أكثر ريبة يا كاتب الشمال. الفلكي مات مخنوقاً ومخطوطاته سُرقت، وأنت تملك علماً لا يتطابق مع مظهرك المتواضع."
تحسس طارق التميمة المعلقة حول عنقه بحركة لا إرادية، وشعر بنبض تردداتها الخافتة تحت أصابعه. أدرك أن خيوط الجريمة والمؤامرة التي تعصف بالقصر بدأت تلتف حول عنقه، وأن أي خطأ صغير في تبرير وجوده لن يدمر مهمته في إصلاح نسيج الزمن فحسب، بل سيقوده مباشرة إلى حبل المشنقة بتهمة اغتيال فلكي الفرعون.
حبر وسم في ديوان السجلات
ضاقت حدقتا عمر الخطيب وهو يثبت بصره على وجه طارق، بينما تراجعت أصوات الهمس بين الكتبة في أرجاء القاعة. لم يكن قائد الحرس من الرجال الذين تنطلي عليهم الأعذار بسهولة، وخبرته الطويلة في حراسة القصر جعلته يشم رائحة الخطر قبل أن تقع الكارثة. أشار بحركة حازمة من يده العريضة نحو مقصورة الفلكي الراحل، فامتثل طارق ومحمد لأمره وتبعاه بخطوات متزنة عبر الممر ا…

